إشكالية سوريا و البحث عن شرعية للتدخل الأجنبي

كتب في: 10/02/2012 من طرف admin

الأحداث التي وقعت فى سوريا في الأسابيع الماضية أدت الي ظهور الكثير من المخاوف وبسبب الجهود الروسية لم يتم إدراج الملف السوري بشكل رسمي فى أجندة مجلس الأمن الذي عقد جلسة فى 24 جانفي، وبناءاً عليه لم تتم دراسة القضية بشكل مباشر.

الأجندة الرسمية كانت بخصوص الوضع في الشرق الأوسط ففي مستهل الجلسة قدم أوسكار فيرنانديز تارانكو،مساعد الأمين العام للشؤون السياسية محادثات تحضيرية موَسَعَّة بين الفلسطينيين و الكيان الصهيوني حول تصاعد العنف فى قطاع غزة و الضفة الغربية، ثم انتقل تدريجيا للحديث عن الحدود اللبنانية السورية ثم الحديث عن سوريا نفسها. و قد أشار أوسكار تارانكو إلى غياب الأمن على الحدود اللبنانية  السورية و أنه تم تسجيل 5660 لاجئ سوري في لبنان فى منتصف يناير الماضى. في بداية جيدة تمت الإشارة الي أن السلطات السورية ارتكبت “جرائم ضد الإنسانية”.وبهذا يعطي مجلس الأمن دفعة للخطة التي طرحتها جامعة الدول العربية فى 22 جانفي، وبالرغم من ذلك كله فقد انتهت الجلسة بدون الإتفاق على أي قرار.حيث عارضت كلا من روسيا و الصين وبشدة أى تدخل فى الشئون الداخلية السورية.كما شدد مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة على أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة انتقالية واسعة النطاق وطالب بإتاحة الفرصة للشعوب بالمنطقة بأن يقرروا مصائرهم بأنفسهم. كما ذكر أن الجهود الخارجية التى تحاول أن تسيطر على الأوضاع عن بعد و أن تأتي إلى السلطة بمجموعات سياسية، دينية وعرقية معينة من أجل مصالحها الشخصية من الممكن أن تكون عواقبها وخيمة. 

الوضع الراهن لمجلس الأمن مُعَقّد، حيث أن الأعضاء منقسمون إلى فريقين و كل فريق يطرح مشروع قرار لحل الأزمة. فمشروع القرار الذى طرحه الغرب قوبل بمعارضة من الصين و روسيا اللتان استخدمتا حق النقض الفيتو للتصويت ضده فى 4 أكتوبر2011  و بالموازات مع ذلك أعدت روسيا حلولا بمشاركة الصين سيتم التعرض لها بالتفصيل لاحقا. فمنذ فترة أُعلِن أن المجلس يدرس قرار اتحاد دول بريكس. BRICS مع الأخذ فى الإعتبار أن جميع الدول ببريكس أعضاء فى الأمم المتحدة إلى جانب البرازيل، الهند و جنوب أفريقيا.

قامت الدول الغربية و جامعة الدول العربية بدور فعّال في التحضير للجلسة، فقد استقبل ميخائيل بوجدانوف، مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط مبعوثين فى نفس الوقت، الأول السفير رياض حداد وهو سفيرسوريا فى موسكو، ثم جيفرى فيلتمان، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى وذلك قبل انعقاد الجلسة. و في لقاءه مع نظيره الأمريكي شدد على أن رد فعل المجتمع الدولي تجاه الشؤون الداخلية لأي بلد يجب أن يكون مسئولاً وأن يكون له حدوده، وفى الوقت ذاته يجب حل المشاكل دون اللجوء إلى العنف وذلك عن طريق مجلس الأمن الذى يلعب دورا هاماً فى الحفاظ على الأمن و السلام العالمي. و قد طرح فيلتمان قضية إرسال روسيا أسلحة إلى سوريا مرة أخرى ومهما أوضح وزير الخارجية الروسي فلا يوجد ما يدفع روسيا لتبرير إرسالها أسلحة إلى سوريا.فالإتحاد الروسي لا يخرق أية إتفاقيات دولية أو قرارات لمجلس الأمن و تصديرها أسلحة لسوريا لا يحظره القانون الدولي.

قد بات واضحاً في المؤتمر الصحفي الذي عقده سيرغي فيكتورفيتش لافروف وزير خارجية روسيا الحالي، أن الوضع فى سوريا يتجه تدريجيا إلى الحل العسكري و قال أنه بدأ بالفعل يسمع مطالبات باللجوء إلى القوة. وإذا اتخذ أحد القرار باستخدام العنف فسيكون من الصعب علي روسيا منعه ولكن من سيبادر بذلك سيتحمل وحده نتيجة قراره.وشدد سيرغي لافروف على أن من سيقوم بذلك لن يحصل على موافقة من مجلس الأمن.من ناحية أخري فإن عدم تطبيق العقوبات التى يفرضها مجلس الأمن يجعل الأمور غير مطمئنة، كما أن الفشل فى تبرير الاعتداء من خلال قرار صادر عن مجلس أمن الأمم المتحدة يدفع للبحث عن طرق أخرى لتحقيق الهدف. وقد بدأ حلف شمال الأطلسى (الناتو) التحدث عن فرض الحظر الجوي بغض النظر عن أن هذا الفعل لا يستند إلى أي قانون دولي، كما أنه يشكل انتهاكا صارخا لميثاق الأمم المتحدة القائم على مبدأ سيادة الدول؛المجال الجوي له سيادة تماماً كالتي للمجال الأرضي.

بدأت خطة التدخل الإقليمي من قبل عصبة جامعة الدول العربية وبعض أعضاء المنظمة فى التبلور.وما يسترعي الانتباه أن هذا هو الوقت تحديدا الذى يبدأ فيه بان كى مون الأمين العام للأمم المتحدة، البحث عن أسباب جديدة للتدخل فى الشأن السوري (وليس سوريا فقط).هذا هو الوقت الذى يطبق فيه عملياً نظرية “مسئولية الحماية” وكما هو الحال فى جميع الحالات “الدول إما فشلت و إما لا تريد تحمل مسئوليتها بنفسها” هذه النظرية لا وجود لها فى القوانين الدولية فى الحقيقة، إننا نجد أنفسنا أمام قوانين دولية إفتراضيه لا وجود لها من الأساس، تتبلور على أسس وقواعد ليس لها وجود إلا فى خيال بعض النخب من الموظفين الدوليين الكبار.

على صعيد متصل تبحث جامعة الدول العربية عن طرق جديدة هي الأخرى. المبادرون الرئيسيون للمغامرة العسكرية- قطر،المملكة العربية السعودية،البحرين وكل من إنضم إليهم الكويت،الإمارات العربية المتحدة وعمان- اغلقوا النقاش بعد آخر جلسة للجامعة باتخاذهم قراراً باستكمال المهمة. فقد استدعوا مراقبيهم من فريق بعثة جامعة الدول العربية فى سوريا. لكنهم فشلوا بشكل واضح فى إقناع باقى المشاركين فى البعثة بأن يحذوا حذوهم. لم ترقى نتائج أنشطة البعثة إلى مستوى تطلعات “المحتجين”.وبناء عليه صرح اللواء محمد أحمد مصطفى الدابي السودانى الجنسية ورئيس البعثة بأن وجود مراقبين  الجامعة العربية فى سوريا أدى إلى نتائج ايجابية وقلل من العنف. وقال انه فى ظل تواجد البعثة بدأت الاشتباكات المسلحة بين المعارضة المسلحة والقوات الحكومية تقل تدريجيا بل تكاد تكون انتهت حاليا. فى واقع الأمر، العديد من الإيجابيات حدثت أثناء وجود مراقبى جامعة الدول العربية فى سوريا.حيث تم إطلاق سراح 912 سجيناً سياسياً فى يوم 24ديسمبر2011 و الذين كان قد تم القبض عليهم فى 15 مارس، بعد بدء الأعمال الإرهابية فى سوريا. فى 8 يناير قام الرئيس السوري بإطلاق سراح 552 أخرين ليكون بذلك قد تم إطلاق سراح ما يزيد عن ألفي سجين، نصفهم حُرروا فى ديسمبر فقط. وبالمناسبة، أعلن بشار الأسد في 7 مارس 2011 العفو عن جميع الذين اعتقلوا حتى ذلك التاريخ. و كان قد سبق إصدارسبعة قرارات بالعفو خلال هذه الفترة!

لا يجب إغفال الدور التركي كذلك، فبغض النظر عن المشاكل الناتجة عن التوترات القديمة بين أنقرة ودمشق، فإنه من المحتمل أن تشارك تركيا فى تلك المغامرة. ولا يمكن استبعاد أنه بالمشاركة فى التدخل العسكري فى سوريا ) والذى بدأ بالفعل وإن كان بخطوات بطيئة( تحاول تركيا تجنب السيناريو ذاته معها، فالأحداث الغريبة التى وقعت فى تركيا في عامي 2010-2011 لا يمكن أن تكون مجرد صدفة، حيث تم اعتقال بضع مئات من اللواءات وكبار الضباط بتهمة محاولة الانقلاب فمثلا تم إعتقال اللواء ايلكر باسبوج ذو الرتبة العالية  يوم 8 جانفي من هذا العام لنفس السبب- التآمر لقلب نظام الحكم، وليست مصادفة أيضا أن تبدأ محاكمة الرئيس السابق الجنرال كنعان أفرين عن انقلاب 1980، فى نوفمبرالعام الماضى.هل هذا هو الوقت المناسب لمحاكمة شخص على شئ فعله منذ اثنين و ثلاثين عاماً؟

هناك معلومات تفيد بوجود ما بين ستمائة إلى ألف و خمسمائة مرتزقة ليبيين متواجدين على الحدود التركية السورية، منهم عبد الحكيم بلحاج (وبالمناسبة يعتبر هذا درس جيد للسلطات السورية بألا تترك زمام الأمور “لوسطاء” دوليين). في الغالب تود أنقرة أن تتخلص من هذا التواجد، أما المؤكد فهو أن تركيا تتأرجح على شفا هاوية ربيعها العربى. إنها فقط طريقة الإعلام في تقديم معلومات تحفظ لها ماء الوجه و إظهارها بأنها تنعم بـ “الإستقرار”.

منعت السلطات السورية تهريب الأسلحة إليها من بعض الدول و قامت بنشر قائمة بتلك الدول (منها لبنان،تركيا،العراق و أيضاً الأردن) و لكن هذه التصريحات لم تلقى إهتماما من الإعلام،و بطريقة ما لم يتم إدراجها فى تقارير الأمين العام، ففي يوم 26 جانفي خرج بان كى مون عن صمته، عندما أُغتيل رئيس الهلال الأحمر السوري. أدان الأمين العام للأمم المتحدة “عملية الإغتيال” ثم “دعا السلطات السورية للتحقيق فى الحادث”هذا الإسلوب، جعل الأمر يبدو وكأن عملية الاغتيال تمت بأيدى الحكومة السورية وكالعادة لم يأتى على ذكر المسلحين) الإرهابيين( الذين ارتكبوا هذه الجريمة.

فشل محاولات “مجلس الأمن” و “جامعة الدول العربية” دفع بعض أعضاء الجامعة إلى طرح “مبادرة” جديدة تقترح “نقل السلطة من الرئيس بشار الأسد إلى نائب رئيس الدولة وتشكيل حكومة جديدة”.ولكن الوضع حساس للغاية نظراً لوجود نائبين للرئيس السورى.أحدهم – فاروق الشرع، الذى كان قد إنضم إلى حزب البعث و أصبح عضواً نشطاً فيه قبل أن يولد بشار،وكان يحتل منصب وزير الخارجية عندما كان بشار لا يزال فى العشرين من عمره. الهدف من هذه المبادرة هو تدمير القيادة من الداخل، بالرغم من أن الفكرة ماكرة، ولكن مجرد طرحها يدل على أن الحكومة السورية محافظة على تماسكها ووحدتها.ولذلك ستظل محاولات إسقاطها مستمرة و ستؤول كلها للفشل!

المصدر : قسم الترجمة – الجزائر اليوم .نت
http://www.algeriatoday.net/arch/198.html 

التعليقات

التعليقات

أضف رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture. Click on the picture to hear an audio file of the word.
Anti-spam image